الثلاثاء، 14 ديسمبر 2010

قصيدة ديـــــوان "الحـــريــك"


قصيدة 

ديـــــوان "الحـــريــك"
 
        بن يونس ماجن
بعد مسيرة خمسة أيام
 بين المسالك الوعرة
 منتعلا خفين من جلد الماعز الخشن
 وصلت الى نقطة "الحريك"  (*)

 قبل الرحيل إلى المجهول
 والهروب صوب البحر
 وضعت حفنة من حبات الرمل
 في جيبي
 انتقيتها من شط بلادي المفضل
 ثم تركت نعالي المهترئة
 عند باب البحر
الليلة سيكون العبور
 كان القارب مجهزا للإبحار
 الليلة هادئة
 السمك في إجازة
 والطحالب ناعسة
 لا هدير ولا شخير
 النجوم شاهدة على ذلك
 والبحر ينتظرنا لمبارزته
 المعركة بين الأمواج
 لم تبدأ بعد
 ربان القارب
 في مقهى الميناء
 يعد حصيلة تكلفة الإبحار
 إلى الضفة الأخرى

 الإبحار سيكون
 على الساعة الواحدة صباحا
 انسللنا نحو القارب
 الموشوم باللون الأزرق
 كان قائد القارب
 ينتظر قدومنا
 مختبئا وراء الصخور
 وهدير البحر ينكسر
 على ساحل طنجة الناعسة
  
 من بحر إلى بحر
 ننتظر الموت على قارب خشبي
 فوق أمواج متعبة
 وبحر لعوب

 إلى أن جاء يوم العبور
 فوقفنا أمام البحر
 نتوسل إلى حورياته  
 يا ليت لو حفروا لنا نفقا تحت البحر
 يا بحر لا توصد أبوابك النائية

 وقبل أن يستيقظ البحر من نعاسه
 كان الفجر يركب آخر أمواجه
 وقد كان كل شيء هادئا

 حين اقتربنا من القارب
 ركضنا إليه متسابقين
 فأشار علينا ربان القارب بالجلوس
 فامتثلنا
 ثم دخلنا البحر خلسة
 ثلاثون جثة  
 ومضغة جاهزة للحيتان

 على عرش الليل البهيم
 كان القمر يضاجع نجومه 
 والبحر يلفظ قرابينه

 صديقي يرمي نفسه
 في لج لا قرار له
 ثم يصيح بنا:
 انه بحر مليء بالألغام
 إن لم نتقن السباحة
 سنغرق حتما
 وسيقودنا إلى مرفأ
 معلق بين السماء والأرض

 بينما كانت النوارس تحلق فوق رؤوسنا
كان قاربنا العتيق يبحر عكس التيار
أما الغربان فكانت تتجمل
 برغوة البحر الأبيض المتوسط

 ما أعتدت على الإبحار
 بلا جواز سفر ولا تأشيرة
 لعل بطاقتي الوطنية
 قادرة على تبديد
 هول البحر
 وأمواجه الهائلة
 أنا الذي غازلت الموت
 أكثر من مرة
 وما زال الهروب
 يتسكع في مخيلتي

 والآن صرت كسمكة القرش
 التي  ترفض أن تغادر البحر
 من أجل تحقيق حلمي
 سأصارع الأمواج
 وأعارك أعالي البحار
 وأركب المخاطر
 ولا يهمني إن كان العبور
 يفضي إلى الموت البطيء
 لاشيء يضاهي هول البحر
 لكن عبوره
 مغامرة سهلة المراس
 أريد الوصول إلى الضفة الأخرى
 لم يبق مني غير جثة عائمة
 فهزيمة واحدة تكفيني
 سأتم رحلتي ولو بمجداف واحد
 ولو في بطن الحوت
 وإذا تعسر ذلك
 فسأعبره مشيا على الأقدام

 أفتش في نفايات البحر
 عن غنائم
 كنستها الأمواج الغاضبة
 مجدافي وحده الكفيل
 بإيصالي إلى مرعى خصب
 عند ذلك سأكشف على طاولة الرهان
 كل أوراقي الثبوتية
 وسأحرق كل ما تبقى
 من حظي المغسول بتعاويذ
 كتبها المنجمون
 على مؤخرة قردة شمطاء
 وسأعيد كتابة وصيتي من جديد
 وسأبوح لكم بأسراري
 قبل موسم الحداد
 وسيكون البحر شاهدا على ذلك
 أسحب رائحته إلى قاربي لينعشه

 أنا الآن أتعارك مع ريح عاتية
 قاربي في بحر متلاطم الأمواج
 وجثث مبللة باردة كالصقيع

 وانتظر الريح الغربية
 لتحملني بعيدا
 ما أبعد تلك الضفاف
 وما أقرب الأفق
 حين يلثم وجه البحر

 غرقى مفقودون
  ورسالة في قارورة
 ساقتهم الأمواج
 إلى شاطئ مجهول

 يبدو أن البقاء في البحر
 يشبه خلود جلجامش في بابل

 لماذا لا نكون كالأسماك
 لا تحمل بطاقة هوية
 في مملكة البحر
 ولا ترتدي لباسا بلاستيكيا

 وظل البحر يحدثنا عن زرقة مياهه
 وعن الأمواج التي تحرض الطحالب
 على المد والجزر

 يركل البحر أمواجه
 فتثور غضبا
 وهو المحاصر دوما
 بعاصفة من لون السماء
ولفافة من الزبد الكثيف

بيد أن الممر المائي طويل
لا يزال غائرا
وقاربي يتخبط فيه ببطء
والأمواج تنأى بنا عن شط الأمان

كيف قدر لي أن أذهب إلى البحر؟
ما الذي ينبغي علي أن أفعله؟
هذا هو قدري
ومصيري المحتم

"الحريك" عبر قوارب الموت
هو الأمل المنشود للملايين
من العاطلين عن العمل
حرفة دنيئة تمتهنها
خلية تهريب المهاجرين السريين
إلى جزيرة ابريا وايطاليا
فوق بحر زاخر بالغضب المحموم

يسكنني الهروب إلى الضفة الأخرى
والتحليق إلى آفاق بعيدة
كما أتوق إلى عشب ندي كثير الاخضرار

الأمواج العاتية
تلتهم  الأرواح البشرية
 فيتحول الزبد إلى مقبرة عائمة

قاربي في عرض اليم
جاثم على الماء
في دهليز عائم
تهدهده الأمواج العالية
ركوب أهوال البحر
 يتبعه الغثيان والدوار
والغريق يستنجد
فمن يقذف به إلى اليابسة
فمن يتطوع ؟

في جوف الليل
ركبنا البحر وأهواله
قاربنا المليء بالأجساد
يصارع أنفاسه
فوق صهوة موجة عنيدة
ورياح مخاتلة
كسرت قاربنا المنكوب
وتذكرت أنني لا أجيد السباحة
وكنت أكره الماء
اعترتني حالة ذهول شديد
فشعرت بدوار
وفكرت بأن الإبحار
بلا أقمصة وفلائك النجاة
وبدون مرآة عاكسة لأشعة الشمس
هو مغامرة خطيرة
ورهان غير رابح
لا يؤدي إلى تربة الفردوس الموعود
لم يبق لي من أحلام
سوى هذيان كبوس
ما همني إن صرت غريقا
فما زال لهيب "الحريك"
يشتعل بداخلي

يتساءل البحر الحزين
من أنتم أيها التعساء؟
من أين أتيتم
ولماذا تغزون مياهي
بقوارب هشة ؟

من أنتم أيها الغرباء
هل لديكم وطن
هل ضاقت بكم اليابسة؟

أيها الغرقى
في أمواجي العاتية
سوف  نقيم لكم قداسا
تباركه القراصنة

أيها الغرقى
تزاحمون سمكي وطحالبي
وطيور السنونو

رفقا بنا أيها البحر
يا أيها الملك الثري
نحن بؤساء اليابسة
جئناك على لوح
 نطرق بابك
متوسلين بموجك
أن يبارك لنا العبور
إلى الضفة الأخرى
إلى الأقاصي البعيدة
إلى مملكتك العائمة
جئنا لندفن
ما تبقى لنا من الإحباط
فهل يتسع لنا صدرك؟

جثث تطفو
فوق صهوة البحر
وثمة مهاجر متعب
يحمل  أمانيه المتشظية 
ويدخل في نفق مظلم
على متن قارب متوتر
تتقاذفه أمواج بحر هائج

لماذا لا نحفر له بحرا جديدا
ونضع فيه ماء عذبا
وأمواجا من حرير
ورمالا من الزجاج الخالص
وطحالب وفراشات
ورياحا صديقة
تتعاطف مع سفنه و قواربه
هذا المهاجر السري
يتوق إلى  شواطئ بلا مرافئ
فهو مطارد
و شرطة خفر السواحل ترصده

لماذا لا نحفر بحرا
ونحرر الأسماك
كي تجرب العيش على اليابسة

ترفض السنونوات التحليق فوق بحر
لا يملك أمواجا مضطربة
ولا يتوفر على سترات النجاة

 في قاربنا العتيق
فتاة مغربية
و طفل أندلسي من أصل موريسكي
وعجوز أمازيغية
من عمق جبال الأطلس
وثلاثون مهاجرا إفريقيا

إلى الذين لا يعرفون أين يقع بلدي
على خريطة الماء
نقول لهم ليس لديكم ذكاء الطحالب
ولا حكمة السنونوات
للبحر باب في مضيق جبل طارق
لا يفتحه إلا "الحريك"

 يعتريني هول شديد
وأنا السندباد المغربي  الجديد
دلني يا أيها البحر
على مرتع آمن
بين أمواجك
لعلني أسكر برغوة زبدك
حتى ولو كان فاترا

تتوهج مشقة العبور
تحت بوابة الأمواج
وصيد وفير ينتظرني
رمال ملأى بالجثث
تجرها الطحالب
نحو شواطئ مهجورة

ومنذ ذاك الحين
وأنا أسأل هل مازالت الضفاف بعيدة
عن مرافئ النجاة
ماذا تخبئ  في منعطفاتها
وهل ما زال البحر يجلس على أريكته الرملية؟
ويضاجع طحاليبه فوق الموج الثائر
فيسرع طائر النورس نحوي بالجواب:
كم هي خصبة تلك المراتع
الرابضة فوق الشاطئ الآخر
كم هو وافر ذلك الحصاد
على جسد الماء

كان البحر يتوضأ برغوة المد
حين دهمته قوارب الموت
وكان يقيم كمينا غادرا
وحدها المرافئ تبكي
والسنونوات تكفكف دموعها

يجدل البحر ضفائر الماء
ويتحسس خصر الأهداب المخملية
أعشابه  تستحم فوق الرمال العارية

السمك يخرج من البحر حيا
ونحن ندخله أمواتا
وهل "الحريك" سوى الثأر
الذي نفدي به الكبش؟
أم هو انفراج للانتحاريين

جثث تطفو على وجه الماء
قرب أريكة رملية
يجنح قاربي هاوية
فتتلاعب به أمواج وحيتان

يضيق البحر بأشرعتنا وقواربنا العتيقة
وأمواجه لا تهدأ
والقارب الذي تداعبه العواصف
صار شظايا عائمة
من موج العبور حتى شاطئ النجاة
صار هذا الشاطئ
لا يتسع حتى لرفات البحر الميت
ثمة موجة شاطرة
تطل عليه
وتغازل أفقه اللعوب

هذا الشاطئ
يكره السمك الداكن والمجعد
والحيتان الأسطورية
آه.. كم يحلو له الإبحار
بين المد والجزر…
                          لندن 2007 ـ 2009
********************
الصورة من شمال المغرب حيث تكون السواحل عرضة لل"حريك، لكن الصورة لا علاقة لها بالموضوع.
*****************************
بن يونس ماجن 
شاعر مغربي  مقيم في لندن - بريطانيا
(*)الحريك: كلمة بالدارجة المغربية تعني الهجرة السرية إلى أروبا
والنصوص من مجموعة شعرية تحمل نفس العنوان تصدر قريبا في القاهرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
 إشارة: توصلت مدونة سيدي سليمان بنص القصيدة من الشاعر بن يونس ماجن المقيم في لندن